الشيخ محمد رشيد رضا

447

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

نبوته وقالوا لا نؤمن بمن آمن به . فأنزل اللّه فيهم ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ ) الخ . والمعنى ان الآية تتناول هؤلاء أولا وبالذات ، ونعم كل ناقم من المسلمين . وفي قوله تعالى « وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ » ما نبهنا على مثله من دقة القرآن في الحكم على الأمم والشعوب إذ يحكم على الكثير أو الأكثر ، وما عمّ الا واستثنى . وقد كان ولا يزال في أهل الكتاب أناس لا يزالون معتصمين بأصول الدين وجوهره من التوحيد وحب الحق والعدل والخير . وهؤلاء هم الذين كانوا يسارعون إلى الاسلام إذا عرفوه بقدر نصيب كل من جوهر الدين ونور البصيرة . وهذا لا ينافي ما كان من طروء التحريف على دينهم ، ونسيان حظ ونصيب مما نزل إليهم . * * * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ؟ المثوبة كالمقولة من ثاب الشيء يثوب وثاب اليه ، إذا رجع ، فهي الجزاء والثواب . واستعماله في الجزاء الحسن أكثر ، وقيل استعماله في الجزاء السئ تهكم . والمعنى هل أنبئكم يا معشر المستهزئين بديننا وأذاننا بما هو شر من عملكم هذا ثوابا وجزاء عند اللّه تعالى ؟ وهذا السؤال يستلزم سؤالا منهم عن ذلك ، وجوابه قوله تعالى مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ . اي ان الذي هو شر من ذلك ثوابا وجزاء عند اللّه هو عمل من لعنه اللّه . أو جزاء من لعنه اللّه الخ فهو على حد قوله تعالى ( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ) وقوله ( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ) وفي هذا التعبير وجه آخر وهو : هل أنبئكم بشر من أهل ذلك العمل مثوبة عند اللّه ؟ هم الذين لعنهم اللّه الخ . كما تقول في تفسير الآية الأخرى : ولكن ذا البر من اتقى انتقل بهذه الآية من تبكيت اليهود وإقامة الحجة على هزؤهم ولعبهم بما تقدم إلى ما هو أشد منه تبكيتا وتشنيعا عليهم ، بما فيه من التذكير بسوء حالهم مع أنبيائهم ، وما كان من جزائهم على فسقهم وتمردهم ، بأشد ما جازى اللّه تعالى به الفاسقين الظالمين لأنفسهم ، وهو اللعن والغضب والمسخ الصوري أو المعنوي وعبادة الطاغوت ، وقد عظم شأن هذا المعنى بتقديم الاستفهام عليه ، المشوق إلى الأمر العظيم المنبإ عنه . اما لعن اللّه لهم فهو مبين مع سببه في عدة آيات من سور البقرة والنساء . وقد